ملا محمد مهدي النراقي

64

جامع السعادات

دون البعض لا تصح مطلقا ، واستدل على ذلك بأن التوبة عبارة عن الندم وإنما يندم على السرقة - مثلا - لكونها معصية لا لكونها سرقة ، ولا يعقل أن يندم عليها دون الزنا أن كان توجعه لأجل المعصية ، إذ العلة شاملة لهما ، لأن من يتوجع على قتل ولده بالسيف يتوجع على قتله بالسكين ، لأن التوجع إنما هو بفوات المحبوب ، سواء كان بالسيف أو بالسكين ، وكذلك توجع التائب إنما هو لفوات المحبوب بالمعصية . سواء عصى بالسرقة أو بالزنى ، وجوابه قد ظهر مما ذكرناه . فصل أقسام التائبين التائبون بين من سكنت نفسه عن الشروع إلى الذنوب فلا يحوم حومها وبين من بقي في نفسه الشروع إليها والرغبة فيها وهو يجاهدها ويمنعها . والأول بين من سكون النزوع وبطلانه فيه لأجل قوة اليقين وصدق المجاهدة ، ومن سكونه وانقطاعه بفتور في نفس الشهوة فقط : والأول من الأول أفضل من الثاني ، والثاني منه أدون من الثاني ، والوجه ظاهر . وأيضا التائبون بين من نسي الذنب من دون اشتغال بالتفكر فيه ، وبين من جعله نصب عينيه ولا يزال يتفكر فيه ويحترق ندما عليه . ولا ريب في أن التذكر والاحتراق بالنظر إلى المبتدي ومن يخاف عليه العود أفضل ، لأنه يصده عنه ، والنسيان بالنظر إلى المنتهى السالك والواصل إلى مرتبة الحب والأنس الواثق من نفسه أنه لا يعود أفضل ، لأنه شغل مانع عن سلوك الطريق ، وحاجب من الحضور بلا فائدة ولا ينافيه بكاء الأنبياء وتناجيهم من الذنوب ، لأنهم قد ينزلون في أقوالهم وأفعالهم إلى الدرجات اللائقة بالأمة ، فإنهم بعثوا لإرشادهم فعليهم التلبس بما تنتفع الأمة بمشاهدته ، وأن كان نازلا عن ذروة مقامهم . ولذا قال رسول الله ( ص ) : ( أما إني لا أنسى ، ولكن أنسى لأشرع ) ( 19 ) . ولا تعجب من هذا ، فإن الأمم في كنف شفقة الأنبياء كالصبيان في كنف شفقة الآباء ، وكالمواشي في كنف الرعاة ، والأب إذا أراد

--> ( 19 ) الحديث نبوي مروي في إحياء العلوم : 4 / 38 .